الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
301
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [ الواقعة : 47 ] ، انتقل به إلى التنويه بالقرآن لأنهم لما كذبوا بالبعث وكان إثبات البعث من أهم ما جاء به القرآن وكان مما أغراهم بتكذيب القرآن اشتماله على إثبات البعث الذي عدّوه محالا ، زيادة على تكذيبهم به في غير ذلك مما جاء به من إبطال شركهم وأكاذيبهم ، فلما قامت الحجة على خطئهم في تكذيبهم ، فقد تبين صدق ما أنبأهم به القرآن فثبت صدقه ولذلك تهيّأ المقام للتنويه بشأنه . والفاء لتفريع القسم على ما سبق من أدلة وقوع البعث فإن قوله : قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ [ الواقعة : 49 ، 50 ] ، إخبار بيوم البعث وإنذار لهم به وهم قد أنكروه ، ولأجل استحالته في نظرهم القاصر كذبوا القرآن وكذّبوا من جاء به ، ففرع على تحقيق وقوع البعث والإنذار به تحقيق أن القرآن منزه عن النقائص وأنه تنزيل من اللّه وأن الذي جاء به مبلغ عن اللّه . فتفريع القسم تفريع معنويّ باعتبار المقسم عليه ، وهو أيضا تفريع ذكري باعتبار إنشاء القسم إن قالوا لكم : أقسم بمواقع النجوم . وقد جاء تفريع القسم على ما قبله بالفاء تفريعا في مجرد الذكر في قول زهير : فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله * رجال بنوه من قريش وجرهم عقب أبيات النسيب من معلّقته ، وليس بين النسيب وبين ما تفرع عنه من القسم مناسبة وإنما أراد أن ما بعد الفاء هو المقصود من القصيد ، وإنما قدم له النسيب تنشيطا للسامع وبذلك يظهر البون في النظم بين الآية وبين بيت زهير . و فَلا أُقْسِمُ بمعنى : أقسم ، و ( لا ) مزيدة للتوكيد ، وأصلها نافية تدل على أن القائل لا يقدم على القسم بما أقسم به خشية سوء عاقبة الكذب في القسم . وبمعنى أنه غير محتاج إلى القسم لأن الأمر واضح الثبوت ، ثم كثر هذا الاستعمال فصار مرادا تأكيد الخبر فساوى القسم بدليل قوله عقبه : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ، وهذا الوجه الثاني هو الأنسب بما وقع من مثله في القرآن . وعلى الوجهين فهو إدماج للتنويه بشأن ما لو كان مقسما لأقسم به . وعلى الوجه الثاني يكون قوله : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ بمعنى : وإن المذكور لشيء عظيم يقسم به المقسمون ، فإطلاق قسم عليه من إطلاق المصدر وإرادة المفعول كالخلق بمعنى المخلوق . وعن سعيد بن جبير وبعض المفسرين : أنهم جعلوا ( لا ) حرفا مستقلا عن فعل